ابن الجوزي
284
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال القرشي : وأخبرنا علي بن الجعد ، قال : أخبرنا أبو معشر ، عن المقبري ، قال : جاء فيروز الديلميّ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : إن كسرى كتب إلى باذان : بلغني ان في أرضك رجلا نبيا فاربطه وابعثه إليّ ، فقال : إن ربي غضب على ربك فقتله ودمه يثخن الساعة ، فخرج من عنده ، فسمع الخبر فأسلم وحسن إسلامه . قال علماء السير [ 1 ] : كان أبرويز قد جمع من الأموال ما لم يجمعه أحد ، ومن الجواهر والأمتعة والكراع ، وافتتح من بلاد أعدائه ، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية ، وكان شديد الفطنة ، قوي الذكاء ، بعث الأصبهبذ مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم وبعثها إلى كسرى ، فخاف كسرى أن يتغير عليه الاصبهبذ لما قد نال من الظفر ، فبعث من يقتله ، فجاء إليه الرجل ، فرأى من عقله وتدبيره ، فقال : مثل هذا لا يقتل ، فأخبره بما جاء لأجله ، فبعث إلى قيصر : إني أريد أن ألقاك . فالتقيا فقال له : إن الخبيث قد هم بقتلي ، واني أريد إهلاكه ، فاجعل لي من نفسك ما اطمأن إليه ، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك . فأعطاه المواثيق . فسار قيصر في أربعين ألفا فنزل بكسرى ، / فعلم كسرى كيف جرت الحال ، فدعا قسا نصرانيا ، فقال : إني كاتب معك كتابا لطيفا لتبلغه إلى الأصبهبذ ولا تطلعن على ذلك أحدا ، فأعطاه ألف دينار ، وقد علم كسرى أن القس يوصل كتابه إلى قيصر لأنه لا يحب هلاك الروم ، وكان في الكتاب : إن الله قد أمكن منهم بتدبيرك فلا عدمت صواب الرأي ، وأنا ممهل قيصر حتى يقرب من المدائن ، ثم أغافصه في يوم كذا فأغير على من قبلك فإنه استئصالهم ، فخرج القس بالكتاب فأوصله إلى قيصر ، فقال قيصر : ما أراد إلا هلاكنا . فانهزم واتبعه كسرى فنجى في شرذمة ، وبلغ من فطنة كسرى أن منجميه قالوا : إنك ستقتل ، فقال : لا قتلن من يقتلني [ 2 ] . فلما بعث ابنه إليه ليقتله قال للرجل : إني أدلك على شيء فيه غناك الصندوق
--> [ 1 ] تاريخ الطبري 2 / 215 . [ 2 ] في أ : « لأقتلن قاتلي » .